النويري

485

نهاية الأرب في فنون الأدب

[ قد « 1 » ] بناه في عسكره يشرف منه والكلبىّ عنده إذ نزل من عنده ، وقد كان الوليد حمله على برذون هملاج « 2 » أشقر من أفخر ما سخّر ، فخرج على برذونه ، فمضى في الصحراء حتى غاب عن العسكر ، فما شعر إلا وأعراب قد جاؤوا به يحملونه منفسحة عنقه ، وبرذونه يقاد ، حتى أسلموه . فبلغني ذلك ، فخرجت حتى أتيت أولئك الأعراب ، وكانت لهم أبيات بالقرب من أرض البحر لا حجر فيها ولا مدر ، فقلت لهم : كيف كانت قصّة هذا الرجل ؟ فقالوا : أقبل علينا على برذون ، فو اللَّه لكأنه دهن يسيل على صفاة من فراهيته ، فعجبنا لذلك إذ انقضّ رجل من السماء عليه ثياب بيض ، فأخذ بضبعيه ، فاحتمله ، ثم نكسه . وضرب برأسه الأرض ، فدقّ عنقه ، ثم غاب عن عيوننا فاحتملناه فجئنا به . وقد نزّه قوم الوليد عما قيل ، وأنكروه ونفوه عنه ، وقالوا : إنه اختلق عليه وألصق به ، وليس بصحيح . حكى عن شبيب بن شيبة أنه قال : كنّا جلوسا عند المهدى ، فذكروا الوليد ، فقال المهدى : كان زنديقا ، فقام ابن علاثة الفقيه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ اللَّه عزّ وجلّ أعدل من أن يولَّى خلافة النبوة وأمر الأمّة زنديقا ، لقد أخبرني من كان يشهده في ملاعبه وشربه عنه بمروءة في طهارته وصلاته ؛ فكان إذا حضرت الصلاة

--> « 1 » ليس في د . « 2 » الهملجة : حسن سير الدابة في سرعة ( اللسان ) .